الجمعة، 20 ديسمبر 2024

قراءة في قصيدة " الوجود والعدم" لمحمد بنطلحة

 


 النص  

                                  الوجود والعدم 


في عجالة

وجهان لعملة واحدة
الحياة
قرأت هذا في عظمة كتف
عثرت عليها
بالصدفة
بين أوراقي
بدون تاريخ .الخط زناتي.و في الهامش
الوجود أريكة
والعدم صولجان

    يرى الشاعر صلاح عبد الصبور متأثرا بالفلسفات الميتافيزيقية عامة، والوجودية منها بشكل خاص أن "الوجود هو المعطى الأول للإنسان"، وهو مهدد بالعدم. وبين الوجود والعدم، بين منبع النهر ومصبه، يعيش هذا الإنسان حياة مليئة بالشرور والآلام " خالية من الحرية إلا تحت مستوى الضرورة"، الشيء الذي يحول الأرض إلى جحيم، وحياة الإنسان إلى عذاب. وقد سعى الإنسان منذ القديم إلى إعطاء معنى لحياته متوسلا الدين والفلسفة والفن "فالنبي والفيلسوف والشاعر أصوات شرعية، وشرعيتها تشمل كل ألوان الحياة الإنسانية بغية تنظيمها وتخليصها من فوضاها وتنافرها ومفارقاتها. ومجال رؤيتهم هو الحياة الإنسانية في زمانها الذي هو الديمومة، وفي مكانها الذي هو الكون، وفي حركتها التي هي التاريخ".

       إن الشاعر والفيلسوف والنبي ينظرون إلى العالم نظرة شمولية كلية يتداخل فيها الذاتي والموضوعي، والواقعي والميتافيزيقي، والحياة والموت، والأمل واليأس ...وهذه النظرة راجعة إلى أن العالم ناقص، وكل من هؤلاء يحمل بين جوانبه شهوة لإصلاحه، لكن الشك والقلق يلازمهم، الشيء الذي يسم حياتهم بالقلق واليأس الأبديين، إلا أنه ليس يأسا أو قلقا تشاؤميا، إنه يأس ناتج عن إحساس بالمسؤولية ووعي بها .

     وقد سعت كل الديانات القديمة، أرضية كانت أم سماوية، وكذا الفلسفات المادية والمثالية إلى البحث عن حل لهذه المعضلة الوجودية.

     أما الشعر فيسعى إلى بناء تصور فرداني نابع من تجربة فردانية عاشها الشاعر وتمثلها وارتقى بها إلى مستوى التجربة الإنسانية في شموليتها، ثم صبها في صياغة فنية.

   ومن الشعراء العرب الذين انشغلوا بالحياة والموت وعبروا عن تجربتهم الفردانية طرفة بن العبد الجاهلي ، الذي واجه مصير الإنسان  المأساوي بالانغماس في المتعة واللذة ، يقول في معلقته:

أَلا أَيُّهَذا اللائِمي أَحضُرَ الوَغى     وَأَن أَشهَدَ اللَذّاتِ هَل أَنتَ مُخلِدي

فَإِن كُنتَ لا تَسطيعُ دَفعَ مَنيَّتي       فَدَعني أُبادِرها بِما مَلَكَت يَدي

أَرى قَبرَ نَحّامٍ بَخيلٍ بِمالِـــــهِ        كَقَبرِ غَويٍّ في البَطالَةِ مُفسِدِ

تَرى جُثوَتَينِ مِن تُرابٍ عَلَيهِما       صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفيحٍ مُنَضَّدِ

أَرى المَوتَ يَعتامُ الكِرامَ وَيَصطَفي    عَقيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

أَرى العَيشَ كَنزاً ناقِصاً كُلَّ لَيلَةٍ      وَما تَنقُصِ الأَيّامُ وَالدَهرُ يَنفَدِ

لَعَمرُكَ إِنَّ المَوتَ ما أَخطَأَ الفَتى     لَكَالطِوَلِ المُرخى وَثِنياهُ بِاليَدِ

   فطرفة يرى الحياة قصيرة، ويرى القبور متساوية لا فرق بين قبر بخيل بماله وقبر غوي مفسد، فاختار أن يعيش حياته منغمسا في الملذات ما دام الموت قضاء حتميا.

      أما أبو العلاء فرأى الحياة كلها تعبا فانطوى على ذاته ورفض التوالد، فالحياة لا تستحق العيش.

تعب كلها الحياة فما أعـــــــــجب إلا من راغب في ازدياد

      ويعد محمد بنطلحة من الشعراء المعاصرين الذين قاربوا الحياة والموت أو الوجود والعدم لا من وجهة نظر فلسفية أو عقدية، وإنما من وجهة نظر فردانية ذاتية موظفا تصورا شعبيا مغرقا في القدم،مستنبطا من فهم خاص للنصوص الدينية القرآنية والحديثية، لكنه ظل حاضرا في ذاكرتنا الشعبية حتى اليوم، فصاغه بلغة شاعرية خاصة، كل كلمة فيها بنية رحمية لذاكرة ثقافية تغني النص الشعري وتسمح بفتح نوافذ تأويلية لا نهائية تتعدد بتعدد القراء،

تتكون القصيدة من ثلاث متواليات هي

1-          الوجود والعدم في عجالة وجهان لعملة واحدة ،الحياة.

2-          قرأت هذا في عظمة كتف عثرت عليها بالصدفة بين أوراقي بدون تاريخ .الخط زناتي.

3-          و في الهامش/ الوجود أريكة و العدم صولجان:

 

      المتوالية الأولى خلاصة تجربة، ترى الحياة كالعملة التي لها وجهان هما الوجود والعدم، وهي خلاصة لم تصدر عن تفكير وتأمل عقلاني وإنما هي خلاصة في عجالة، والعجالة ضد التدبر والتأمل والعقلانية. وهي خلاصة تفارق التصور الديني الصادر عن الوحي المتصف بالكمال واليقين، والتصور الفلسفي الصادر عن التأمل والعقلانية.  فالشاعر يكشف من البداية عن التصور الذي ينطلق منه وهو التصور الصادر عن التجربة المجتمعية المعيشة الذي تتميز بلا عقلانيتها، لأننا نفكر من خلالها ولا نفكر فيها.  وتشبيه الوجود والعدم بوجهي العملة ناتج عن ارتباط بعضها ببعض، فالوجود متبوع حتما بالعدم.  الوجود تجربة معيشة والعدم تجربة متنبأ بها.

      المتوالية الثانية عبارات سردية، توثق لهذه التجربة وتفصح عن مصدرها الذي توحي به عبارة في عجالة.  وتتميز بالبنيات الرحمية الآتية:

-      عظمة الكتف: ترتبط في التصور الشعبي المعيش بالتنبؤ بالمستقبل الغيبي وقراءة الطالع، وبذلك فهي آلية الكشف عن غد يظل في حاجة إلى الكشف بتعبير الشاعر الفرنسي روني شار.

-      والخط الزناتي يوحي بالفئات الاجتماعية التي تتطلع إلى هذا الغد، وهي الفئات الشعبية التي عجزت عن أن تعيش مترفة في وجودها، فظلت تمني النفس ببديل في العالم الأخروي، فبنت معرفة اقترنت بالتصوف والطرقية والكرامات والولاية، تبشر بالآخرة وتزهد في الدنيا ،وتفصل في دقائق أخبار الجنة والنار. ومن ممثلي هذه الثقافة عبد الله الزناتي صاحب كتاب" كتاب الفصل في أصول علم الرمل" الذي انتشر انتشارا واسعا في هذه الأوساط كمعرفة لا يتطرق إليها الشك. وعبارة الخط الزناتي الني وظفها الشاعر إلى جانب عظمة الكتف توحي بهذه المعرفة.

      وغياب التاريخ عبارة توحي بأن هذا التفكير فوق الزمان والمكان أي معرفة مطلقة كالمعرفة الدينية. إنها معرفة مستمدة من الماضي العريق ومستمرة حتى اليوم وستبقى. وهي معرفة مفارقة للمعرفة العلمية المتسمة بالنسبية، والمرتبطة بسياقها الزمكاني والمعرفي

     المتوالية الثالثة : هامش الورقة مكان للتفسير والتوضيح والكشف عن المبهم والغامض. وبذلك فالهامش يفسر ما ظل غامضا في الخلاصة الأولى وهو تثمين وتقويم وجهي الحياة.

    قال الرائي : الوجود أريكة والعدم صولجان

    ترشح كلمة أريكة بمعان عدة، فهي مكان للجلوس والاستراحة، مكان مريح ومطمئن، لكن البقاء فيه مؤقت ينتهي بالمغادرة.

    أما العدم فهو صولجان، والصولجان رمز الملك بكل ما يعني من سلطة وجاه، وغنى وخدم وامتلاك الدنيا وما فيها وديمومة على العرش، وبذلك فالصولجان بمعانيه أرقى وافضل من الأريكة ، وبذلك يكون وجه العدم أحسن من وجه الوجود .

     إن هذه الصورة هي التي  تميز التفكير الشعبي المستمد من فهم خاص لبعض آيات القرآن الكريم: يقول تعالى في سورة الأنعام32 : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

     وجاء في سورة الإنسان : إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا 5 عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا 6 ..... وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا 12 مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا 13 وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا 14 وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا 15 قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا 16 وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا 17 عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا 18 وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا 19 وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا 20 عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا 21 إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا 22

   إن الصورة الشعرية تعلي من قيمة وجه الحياة المستقبلي المؤجل الذي لم يعش بعد ، وهو وعد للفقراء الذين لم يعيشوا حياة مريحة في الوجه الأول للحياة أي الحياة الدنيا. فالصورة تعكس التصور الشعبي الصوفي الطرقي الذي يزهد في الدنيا ويمني النفس بحياة الملوك في العالم العلوي، ذلك التصور التي عبر عنه قارئو عظم الكتف وفصل القول فيه الخط الزناتي.

   وقد عبر الشاعر عن هذه الفئة التي لم تجد سبيلا إلى حظها في الدنيا فأرجأته إلى الآخرة وعظمت من شأنه و حطت من قدر العالم الدنيوي مستدلة ببعض آي القرآن الكريم بالهامش، وعبر عن لا عقلانية تفكيرها بكلمة في عجالة، وعبر عن لا تاريخية هذا التفكير بقوله  بدون تاريخ .

   إن النص ليس نصا رؤياويا ، وإنما نص يعيد إنتاج معرفة قديمة من أجل تعريتها وفضحها موظفا رموز الثقافة الشعبية وخلفياتها التاريخية التي ما زالت سائدة حتى اليوم.

       ملاحظة أخيرة استوقفتني في النص تخص كلمة العدم . هذه الكلمة " تعني سلب الوجود عما من شأنه أن يكون موجودا، وقيل: العدم نفى الشيئية عما من شأنه أن يكون شيئا". فكيف نتحدث عن وجه من وجوه الحياة في العدم إذا كان هذا الأخير يفيد نفي الشيئية عن الشيء."

    فهل يمكن تأويلها بالسخرية من التصور الشعبي الذي يعيش العدم في الحياة ويؤجل وجوده الحق إلى العالم الآخر - الذي هو اللا وجود -، مادام الوجود الأول عابرا، مجرد جلوس مؤقت على أريكة ، والآخر مُلْك دائم. ربما. 

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2024

تأبين المشمول بعفو الله أخي الأكبر عبد الرحمان بن البشير المتقي

 


  

  

  

          

       كانَ الوقتُ أصيلًا.... حينَ تعالتٍ الهواتفُ بالتَّنادي: نادَى الرحمانُ عبدَه فلبَّى النداءَ. فاضَ المساءُ بطوفانِ الرسائلِ، وعويلِ الهواتفِ.. عبدُ الرحمانِ مات ... المتقيُّ التقيُّ النقيُّ فاضتْ روحُه وعُرجَ بها إلى السَّماءِ.

      ستونَ سنةً ونَيفٌ منَ اللُّحمةِ الأخويةِ جمعتْنا، ذُقْنا فيهَا ما ذقْنا منْ فواكهِ الزمانِ حُلوِها ومرِّها، أتأملُها الآن صورًا تتسابقُ نحوَ ضوءِ الذاكرةِ، تتلونُ بأحزانِنَا وأفراحِنا. قال لسان الحال:

كُنَّا كَغُصنَينِ فِي جُرثومةٍ سَمقـــــــــــــــَا

حِيناً بأحسنِ مَا تَسْمُو لَهُ الشَّجَرُ

حتَّى إذا قيلَ قدْ طَالَتْ فُروعُهمَا

فَطَابَ فَيئَاهــُـمَا واسْتنظرَ الثَّمَــــرُ

أخنَى علَى واحدٍ ريبُ الزمانِ ومَا

يُبقِي الزمانُ علَى شْيْءٍ وما يَذرُ

 

       كانت أخوتُنا خيمةً نَلُوذُ بها كلَّمَا اشتدَّ حرُّ الهَاجِرةِ، علَى جَنَبَاتِهَا عينُ ماءٍ جاريةٍ، وشُجيراتُ نخيلٍ تسّاقطُ علينا دونَ أن نَهزَّها رٌطبًا جنيًّا. نتفيَّأُ ظلالَ المَحبَّةِ والوفاءِ التي زُرعتْ فِينا سَوِيًا، فأيْنَعَتْ وأزهرَتْ ثم أثمرَتْ. كُنتَ أنتَ أيها الأخُ الأكبرُ جذعَها المتين، وكنتُ أنَا وإخوتِي أغصانًا تهزُّها الريحُ كُلَّما هبَّتْ شرقيةً، فنجدُ في فروعِ الجِذعِ الذِي كنتَه ملاذًا يَقينَا صقيعَ شتائِها، وظِلاًّ ظليلًا يردُّ عنَّا شُواظَ صيفِها، ... فكانتْ خطانَا على امتدادِ الزمنِ العنيدِ جداولَ صافيةً يُسمعُ لحصَاها رنينٌ نَسْتَلذُّه تارةً، وتارةً يكونُ لها أنينُ.... فتكونُ أنتَ أنتَ بَلْسَمَ جرحِه ...فَيتحوَّلُ الأنينُ إلى حنينٍ. 

     أيها الأخ الوفيُّ الذي كنتَ، .... ماذا تَبقى منكَ الآنَ، .... ممَّا كانَ.... أيُّهذا الغيثُ الذي يلازم الغمامَ، كنتَ الناطق في مثل هذا المقام، فهل تسمح لي في غِيابِكَ بالكَلام، وإن كان الكَلام لا يشفي الكِلام؟.....لأُعلنَ أمامَ كلِّ الأنام، أنني فَقدتُ بفقدكَ الأخَ الصديقَ الرفيقَ الصبورَ السموحَ الصبوحَ. كنتَ وما زلتَ وستظلُّ حتى في غيابكَ.. ظلًّا ظليلًا يُتفيَّأُ في صَحْراءَ لا ظلَّ فيهَا لِي إلا ظلُّك، أَستظلُّ بهِ حينَ تغيبُ الظلالُ.

      كنتَ فِي أسرتِنَا الصغيرةِ ثالثَ الأثافِي، بكَ يستوي قِدرُنا على نارِه الهادئةِ، نَرمي بكَ مُلمَّاتِ مشاكلِنا، وباسقاتِ همومِنا، فتنيرُ حياتَنا بنصائحِك المحفوظةِ، وتُغني جلساتِنا باحاديثكَ المعهودةِ.

       بصبرٍ جميلٍ، وأملٍ في الله كبيرٍ، واجهتَ الداءَ سنينَا. وهَا أنتَ تَتسللُ ذاتَ خميسٍ - وَسماءُ اللهٍ ممطرةٌ - دونَ أنْ نسمعَ لكَ صرخةً أو أنينَا، فتُزَفُّ بَعْلًا إلَى الأرضِ التِي تُكنُّ لكَ وتُكنُّ لهَا حبًّا دفينَا. فمن بعدكَ يبقَى لنَا، من بَعدَكَ يكون ثالثَنَا، منْ بعدكَ يُجالسُنا، يُشاركُنا حنينَ طفولتِنا، يحكِي لنَا عنْ شِيمِ الوالدِ الذي ودَّعنَا ونحنُ حُمْرُ الحواصِلِ، وعنْ صبرِ الوالدةِ التِي كانتْ لنَا حصنًا متينَ الأواصرِ.

        فَلِمَنٍ أَقُولُ إذا تُلمُّ مُلمَّةٌ

      أرِنِي بَرَأْيِكَ أمْ إلَى مَنْ أَفْزَعُ

      " فاجعٌ موتٌك يا ابنَ أمِّي وأبِي، موجعٌ غيابُكَ، فِي لَحْظَةٍ كنتَ فيهَا مأخوذًا بشيمِ الصدقِ والنبلِ والوفاءِ والعطاءِ"، مُحِبًّا للخيرِ، مبادرًا للقيامِ بهِ دًونَ أن تَعلمَ يُسراكَ ما قَدَّمتْ يمناكَ، قويَ الإيمانِ باللهِ راضيًا بِقَدرهِ. لمْ يَشغَلْكَ المرضُ عنِ القيامِ بمهامكَ المهنيةِ التِي كُلِّفتَ بِها، لَا ولَا دَعوةَ أحبائكَ إلى مَجالسِ الأحاديثِ المؤنسِةِ، ناسيًا أو متناسيًا أن لمْ يَبْقَ لكَ فِي هذهِ الدُّنيا في أحسن الأحوالِ إلا  سنواتٌ معدوداتٌ، كان بلسمَ قلبِك ونسيمَ تفاؤلِكَ اسْتحضارُك في كل لحظةٍ أنك مُقبلٌ على ربٍّ غفورٍ رحيمٍ  تحسنُ الظنَّ بهِ، فلم تقنطْ من رحمتِهِ، ولم تيأسٍ من مغفرتهِ،  فواظبتَ على صلاتكَ قيامًا وقعودًا، ولمْ تَمَلًّ من الحمدٍ والشُّكرِ والدُّعاءِ رُكوعًا وسُجودًا، وداومتَ على قراءةِ ما تَيسرَ من القرآنِ  ترتيلاً وتجويدًا.

     عشتَ مسكونًا بالبحثِ والتنقيبِ بين سُطورِ السُّورِ وآي الذكر باحثًا عن أسرارِها وفصاحتِها وبلاغتِها، ومهووسُا بالكشفِ عن تراثٍ درعةَ الخير، فصرتَ ملازمًا للحيوني في رِحلتِه، والتامكروتِي في سِفاريتِه، والمهدي الجراري في تربيتِهِ، والناصري في أدعيته، فلا يمرُّ يومٌ دونَ أن تُردِّدَ:

 

    يـا   مَـنْ   إِلـَى   رَحْمـتِـهِ   الْمفَرُّ 

وَمَـنْ     إِلَـيْـهِ   يَـلْجَـأُ    المُضْطَرُّ

وَيَـا   مُغِـيـثَ   كُـلِّ   مَـنْ   دَعَاهُ

وَيَـا    قَـرِيـبَ   الْعَـفْوِ   يَا   مَوْلاَهُ    

بِـكَ   اسْـتَغَثْنَا   يَا مُغِيثَ الضُّعَفـَا

 فَحَسْـبُـنَا   يَـا رَبِّ   أَنْتَ    وَكَفَى 

فَـارْحَمْنَا يَا مَـنْ لاَ يَزَالُ  عَالِمـــــــــاً 

بِضُعْـفِـنَا  وَلاَ يَـزَالُ   رَاحِـماً       


والآنَ يا أحبائِي، بعدَ رحيلِ ثالثِ الأثافِي، أستسمِحكُمْ في السؤالِ: ما قيمةُ الحياةِ بعدَ رحيلِ الأخوةِ المفقودةِ؟ ما طعمُ الرقادِ بعد غيابِ الأنيسِ في مجالسِ المساءِ المعهودةِ؟ ما تِرياقُ همومِ السُّهادِ بعدَ الفراقِ؟ معذرةً يا أحبائِي: لمْ يعدْ لِي صوتٌ، بعدمَا سَقينِي أخِي برحيلهِ فاتحةَ الرّعدِ. عقلِي المصدوعُ عاجزٌ عنْ فهمِ كيفيةِ احتضانِ قبرٍ لِقلبٍ يَنبضُ بالحياةِ، عبدُ الرحمانِ جَدلتْه عاصفةُ المرضِ حبلَا من الرَّدَى، فطاشَ لفقدِه العقلُ والفؤادُ، وفُجعتْ لموتِه البلادُ.

    ما أمَرَّ الفقدَ يا أحبائِي ... عينايَ من الدموعِ جفَّتْ .... حنجرتِي منَ الصمتِ القاتلِ كلَّتْ .... فأيُّ لغةٍ تَرثيكَ يَا ثالثَ الأثافِي..؟  أيُّ كلماتٍ تُؤَبِّنكَ؟  أيُّ قولٍ يُعزينَا فيكَ؟

ولقدْ قصدتُ الدارَ بعدَ رحيلِكُمْ

وَوقفتُ فِيهَا وِقْفـــــــــةَ الحَيـــْــــرانِ

وَسألتــُــــــــهَا لَكــــــنْ بِغيـــرِ تكلِّــــــــمٍ

فَتكلمتُ لكنْ بغيــــــرِ لســــــــــــانِ

وَا لَهْفَتِـــي وَا وَحْدَتِي وَا حَيْرَتــِــي

وَا وَحْشَتِي وَا حَرَّ قلبـِي العانِي


     بالأمسِ، كنتُ - أنا المفجوعُ بصمتكَ الأبدِي - جالسًا بالبيتِ وحيدًا، ألتحفُ صمتِي، أتأبطُ حزنِي وذهولِي، أحاولُ إقناعَ نفسِي برحيلكَ فلا يُصدقنِي قلبِي، أتأبطُ فقدانَ لقائكَ، أترك ذاكرتِي تَستعيدُ ذكرياتِي، أستعيدُ ستينَ عامًا قضينَاها معًا لحظةً لحظةً، لتكونَ النهايةُ وداعًا. وداعٌ يعانقُ الولادةَ، وأنا أعانقُ ذكرياتِي وأمشِي، أمشي قليلًا، أتوقف طويلًا، ألتفت ورائٍي علَّ ظلكَ يظلني من جديدٍ.... مسكينٌ أنتَ يَا أنَا، لمْ تُصَدِّقْ بعدُ أنَّ النجومَ ضوؤُها لا يدومُ، مصيرُهَا الأفولُ، لتضيءَ دياجيرَ القُبور.

       لن أنسَى ما بيننَا يا ابنَ أمِّي وأبِي، سأزوركَ هناكَ، وأجلسُ قربكَ هناكَ: أتحدثُ إليكَ هناكَ... أدعو لكَ سلامًا سلامًا...

                                            أما القبورُ فإنهنَّ أوانسٌ

                                             بجوارِ قبركَ والديارُ قبورُ

        سلامًا عليك يَا ابن أمِّي سلامًا، سلامًا عليكَ يومَ كنتَ ويومَ رحلتَ ويومَ تبعثُ كمَا كنتَ، نقيًّا طاهرًا محبًّا ومحبوبًا حاملًا كتابكَ بيمينكَ سلامًا سلامًا...

    سلامًا عليكَ شاهدًا ومشهودًا، سلامًا عليكَ وَحدكَ الناطقَ فِي موتِكَ ونحنُ الصَّامتون، تُنَادِينَا، تَصرُخُ فينَا، تَرفعُ صمتَكَ الناطقَ في وجوهِنَا" فلَا نَسمعُكَ، فترحلُ حاملًا سرَّكَ الدفينَ. آهٍ ...يا أنَا...  يا قليلَ الزادِ يا أنَا .... كمْ هوَ موحشٌ دَرْبُ الذهابِ بلَا إيابٍ.

                                      هِيَ المَقاديرُ لَا تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ 

                                          وَكُلُّ ذِي نَفْسٍ فيهَا لآمَادِ

 

       تُرْمَى الخطواتُ وراءَكَ خطوةً خطوةً، تَراكمتِ الخُطَى، صارتْ ركامًا يَحجُبُ الرؤيةَ. تَشكَّلَ بَيْنِي وبينَكَ سورٌ لهُ بابٌ وحيدٌ باطنُه يقينٌ وظاهرُهُ سرابٌ، "زبدٌ رمادٌ وحشةٌ كفَنٌ غِيابٌ" أخوانِ نحنُ فرَّقَ بينهُمَا الترابُ. أينَ حلمُنَا الطفولِي؟ ضاعَ الحلمُ فِي قرارةِ الغيابِ، فلمْ يبقَ وقتٌ للجوابِ... ظلمةُ التابوتِ اشتعلتْ ...فوداعًا يا منْ لا أطيقُ معهُ وداعًا....           

                عليكَ سَلامُ ربكَ في جِنانٍ

              مُخالِطُــــــــــــــها نعيـــــــــــــمٌ لا يزولُ

 

الأربعاء، 18 أكتوبر 2023

كلمة تأبين المشمول بعفو الله الحاج البصري المدني بن الطيب بن العربي الدرعي

 





  أيها السادة الأفاضل أحباء المرحوم وأخلاؤه

         نقف في هذا اليوم المبارك  26 ماي 2023 بعد صلاة الجمعة أمام باب من أبواب الرحمان لنشيع إلى رحمته رجلا من رجالات درعة الخير، وأحد أعمدة التربية والتعليم بزاكورة على امتداد عقود أربعة، المشمول بعفو الله ورحمته الحاج البصري المدني. هذا الرجل الذي لا يذكر قطاع التربية والتعليم في مدينة زاكورة بعد الاستقلال، إلا وتستحضر ذاكرة جيل بأكمله دوره التربوي والإداري في بناء أسس المدرسة المغربية في هذه المنطقة. فقد كان المدرّس والمسير والمدبر لهذا القطاع على امتداد العقود الأولى لجيل الاستقلال، فساهم في تكوين أجيال من أبناء هذا الوادي ممن شغلوا مواقع مهمة في جل قطاعات الوظيفة العمومية. والجم الغفير من الحاضرين في جنازته اليوم ثلة قليلة ممن عاصروا وعاينوا أثر الحاج البصري على الأرض على امتداد مساره المهني، ولا أشك في أن الأحاديث والذكر بعد انتشار خبر التحاقه بربه، كانت تلهج بأياديه البيضاء على كل تلامذة درعة ورجال تعليم درعة.

         فقد مارس التعليم في خمسينيات القرن العشرين فكان مآله التوقيف عن العمل من قبل أحد رجالات الاستعمار الفرنسي لالتباس اسمه باسم أحد رواد الحركة الوطنية، فالتحق بسلك العدول لفترة وجيزة، لكنه لم يجد فيه ما يرضي ذاته، فالتحق مرة ثانية بالتعليم بلقب آخر، وتحمل مسؤولية التسيير والتفتيش سنين عددا. قبل أن ترغمه أنفته وكرامته في ظروف وطنية خاصة جدا على الانتقال إلى أولاد تايمة، ثم إلى ورزازات التي ظل بها مديرا حتى بلوغ سن التقاعد.

      وأتساءل اليوم، وأنا أعلم علم اليقين اهتمام أهل درعة بماضي الوادي، لم لا تفكر مدرسة الشريف العلوي التي مرت بها أجيال وأجيال من التلاميذ والمعلمين والمسؤولين الإداريين أن تدون ذاكرتها، وتؤرخ لرجالاتها الذين مروا من هناك، وتركوا آثارا تدل عليهم اعترافا لهم بالجميل الذي لن ينسى، وحفظا لذاكرة سرعان ما يمحوها الزمن إذا لم تقيدها الكتابة. لم لا يفكر مسؤولوها وقدماؤها من المعلمين والأساتذة في أن يضعوا شجرة معلميها ومديريها لتكون نبراسا مضيئا للأجيال اللاحقة من فلذات أكبادنا. فهذه المدرسة ليست كباقي مدارس المنطقة، فقد ارتبطت ذاكرة زاكورة بذاكرتها. فإذا فكر مسؤولوها في ذلك، فسيكون الحاج البصري المدني بلا شك واسطة عقدها، ومنارة من مناراتها التي أضاءت بنورها الأجيال تلو الأجيال. 

     ولم تكن العلاقة بين الحاج البصري المدني وبين درعة الخير محصورة في مسؤولياته المهنية فحسب، بل ارتبط بها ارتباط الابن بأمه فلا يفارقها إلا ويحن إليها، ولا يغترب عنها إلا ويشتاق إلى العودة إليها، ولا يحضر مجلسا من مجالس أخلائه وأحبائه من أهل درعة إلا ويلهج بعاداتها وتقاليدها وأعرافها وتاريخها وثقافتها، وأيامها ورجالاتها الذين ساهموا في بنائها. وبوداعه ودعنا معه ذاكرة حية من تاريخ درعة المعاصر، وشاهدا حيا على أحداثها وتاريخها، بل ومكتبة شفوية من ثقافتها. ويحز في النفس أن تطمس هذه الذاكرة كما طمست قبلها أخريات عدة.

   وإذا كانت للمشمول بعفو الله ورحمته من ميزة تميزه فهي قدرته على الحوار والجدل والإقناع والاقتناع من غير تعصب متسلحا بقلب واسع، وعقل راجح، وخبرة صقلتها التجربة، لا مع جيله فحسب، بل مع كل الأجيال اللاحقة، فهو شديد الارتباط بأبناء جيله يحاورهم ويجادلهم ويجالسهم، ويتنفس الهواء بهم، فهم له كالماء للسمكة،  لكنه شديد الارتباط أيضا بالأجيال اللاحقة، يحسن الإصغاء إليهم ، والحوار معهم في غير تعصب لذاكرة الماضي الذي يمثلها، وفي انفتاح  واع على الحاضر والمستقبل، فقاوم المرض والشيخوخة وانتصر على اليأس الذي لم يجد منفذا  إلى عقله وقلبه،  فعاش حياته كلها حتى آخر يوم من عمره متفائلا بالغد، محبا للحياة متمسكا بها ، فاعلا فيها برأيه وفكره بعد أن خذلته صحته.

      وتشاء الأقدار الربانية أن يغادر درعة مثل كل أبنائها دون أن ينساها لحظة واحدة. ففي الأيام القليلة الماضية قبل وفاته رحمه الله،كان يمني النفس أن يسترجع صحته، ويزورها ليجالس أحباءه وأصدقاءه الذين لم نخبره قط بأنهم التحقوا قبله بالرفيق الأعلى، فكان يسأل عن أخبارهم، ويكثر من الحديث عنهم، ونرفع اليوم أكف الضراعة إلى العلي القدير أن يجمع بينهم في جنته، ويشملهم برحمته، إنه هو الغفور الرحيم.

     اللهمّ اجزهم جميعا عن الإحسان إحسانًا، وعن الأخطاء عفوًا وغفرانًا، اللهمّ إنّ معلمنا وأستاذنا ومديرنا وكبير عائلتنا نَزَل بك وهو فقير إلى رحمتك، فاستقبله بمغفرتك ورضاك، وتقبل أعماله الصالحة التي أحصيتها ونسيها، بما تقبلت به أعمال الصالحين من عبادك، واحمه تحت الأرض، واستره يوم العرض، ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم.

      اللهم كما كنت به رحمانا في الدنيا، فأصلحت له أبناءه، وسخرتهم جميعا لخدمته، فخفضوا له جناح الذل فلم يتأففوا في سرهم وعلانيتهم من شطحات كبره، وحملوه على أكف الراحة حنى شيعوه إليك آمنا مطمئنا، فكن به رحيما في الآخرة، فقد ودعنا وهو يحسن الظن بك، ويطمع في رحمتك فلا تخيب ظنه فيك، فأنت الغفور وأنت الرحيم. اللهم أنزله منزلًا مباركًا، مع الشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا.

      اللهمّ آنسه في وحدته، وفي غربته. واملأ قبره بالرّضا، والنّور، والفسحة، والسّرور. واجعل نفسه آمنةً مطمئنّةً، راضية مرضية وخاطبها بقولك وقولك الحق: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، وادخلي في عبادي وادخلي جنتي." صدق الله العظيم.

                                                       علي بن البشير المتقي

السبت، 19 فبراير 2022

الفقيه علي بن محمد التامكروتي ونفحته المسكية

 

ا                               

                                        

         تمهيد: كانت بلاد درعة الوسطى في القرن العاشر بلاد علم ومجمع علماء وفقهاء. وانتشار الزوايا على امتداد الوادي أثر دال على هذه الظاهرة، إلا أن هذا الانتشار لم يحقق تراكما علميا ومعرفيا في القرون الموالية، مما يدفعنا إلى التساؤل: أين أثر القرن العاشر في ما بعده، ولماذا اضمحل العلم وقل العلماء بعد هذا القرن؟

       يرجع الباحثون السبب الرئيس في ذلك إلى توالي الأوبئة التي أبادت الكثير من الناس، وإلى الهجرات المتوالية التي فرضتها الظروف المناخية، إذ لم يكن وادي درعة واديا دائم الاخضرار، فقد توالت عليه فترات جفاف قاتلة عصفت بالأخضر واليابس، مما دفع بالكثير من رجالاته وعلمائه إلى الهجرة منه كما جاؤوا إليه في فترات اخضراره.

الأربعاء، 9 فبراير 2022

التعايش السلمي بين الأديان في الشعر الحديث

 


 

                    د. علي المتقي

تمهيد

       التعايش السلمي بين بني البشر بمختلف أجناسهم وعقائدهم قديم قدم البشرية، فمنذ أن وجد الإنسان وجد معه غيره من بني جنسه، هذا الآخر الذي قد يختلف عنه في الجنس أو الدين أو القيم والأعراف... فكان لا بد من أحد أمرين: إما أن يجعلا من الاختلاف جوهر وجودهما وأساسه، فيتقاتلان ويتصارعان ويبيد الواحد منهما الآخر من أجل أن يثبت وجوده، وإما أن يجعلا من المشترك بينهما أساس وجودهما فيتعايشان ويقبلان باختلافهما. وقد عاش الإنسان الأمرين معا، فصارع بعضه في فترات من التاريخ، وعايش بعضه الآخر في فترات أخرى، لكن الحرب لا تستمر إلى ما لا نهاية، فقد تنتهي مهما طال أمدها بالصلح وعقد المعاهدات ووضع القوانين التي تضمن لكل منهما حق العيش في أمن وأمان. ولعل هذا التعايش هو قيمة من قيم الإنسان الغريزية، فهو اجتماعي بطبعه، ويتحكم في هذه الغريزة بعقله الذي يميل إلى السلم والتساكن والتعايش.

الأحد، 20 مايو 2018

مات المؤرخ .... فمن يؤرخ لوفاته.



                        
          كان الوقت صياما حينما توقف الزمن في درعة ليؤرخ لمصاب جلل تمدد معه الحزن ليغطي خضرة النخيل. انتظرنا طويلا  من ينقش على الصخور، ويسجل على سعف النخيل وفاة أحد باحثي درعة كرس حياته بحثا وتنقيبا، وجمعا وتدوينا لأحداث جسام ملأت الدنيا وشغلت الأهالي قرونا عددا. اشتغل الناس بتبادل التعازي كعادتهم على إثر كل مصاب جلل. تساءلت أين المؤرخ ليؤرخ ما وقع و ما يقع، ما قيل و ما يقال؟ قيل لي: ألا تدري ...؟  مات المؤرخ ، فانكسر القلم و جفت الدواة، ولم تعد الكتابة قيدا لما تدروه نسمات جلسات المساء.

السبت، 19 مايو 2018

قراءة في قصيدة القدس لأحمد المجاطي



                  



          يتميز ديوان الفروسية للشاعر أحمد المجاطي بوصفه ديوان شعر المدينة بامتياز. فقد أثثته مدن الدار البيضاء وسبتة والرباط و ورزازات وطنجة ووهران والقدس ودمشق وصنعاء ومكة وفاس...ولم يكن ذلك عبثا أو صدفة، فقد كانت المدينة العربية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته فضاء للحركات الاحتجاجية الاجتماعية والسياسية التي قادها اليسار العربي الذي ينتمي إليه الشاعر ويتنفس داخله. وكانت مدينة القدس مركز الصراع العربي الإسرائيلي الحاضرة في كل هذه الاحتجاجات، منها تبدأ وإليها تنتهي. وكانت المدينة موضوع الكثير من نصوص  الشعراء  المعاصرين أمثال عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وعبدالمعطي حجازي ... وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء الشعراء الذين جاؤوا من القرية يرون في المدينة مكانا لفقدان إنسانية الإنسان وقيمه البدوية الأصيلة، كان المجاطي يرى في المدينة فضاء للتحرر والثورة. ومن قصائد هذا الديوان قصيدة القدس التي نقترج لها هذه القراءة:

الأحد، 8 أبريل 2018

تجربة محمد بصراوي الشعرية في ديوان : قصة منسية


                                  
     


تجربة محمد بصراوي الشعرية تجربة غنية بآمالها و آلامها، يتداخل فيها الذاتي الفرداني بالوطني والقومي والإنساني. إنها معادل موضوعي لتجربة حياة شاعر عاش العقود الثلاثة الأخيرة من الألفية الثانية بآمالها العريضة الذي كان يبشر بها اليسار العربي و آلامها الناتجة عن الكبوات الوطنية والقومية المتتالية. لذا جاءت قصائد الديوان تعبيرا عن محطات من هذه الحياة في تفاعلها مع ذات الشاعر.