الأحد، 25 يناير 2026

ذات مساء على ضفاف نهر الدانوب

 

 


        على ضفاف نهر الدانوب رأيت ما رأيت، فادلهم في دمي حنين إلى درعة الذي في ذاكرتي. ذلك النهر الذي لا يستقر مثلنا على حال. يسيل عاما ليجرف بقايا سنوات عجفوات، فتهتز الصحراء وتربو، وتكسوها الأعشاب الفواحة، وتخضر غابات النخيل، فتهاجر إليها أنواع من الكائنات الحية وهي موقنة أنها في جنة لا تبيد. لكن سرعان ما يخيب أملها. يرحل المزن بعيدا عن سمائنا، وتتوقف جبال الأطلس عن النضح والرشح والنبع، فيجف النهر حتى ننسى أنه مر ذات زمن قربنا، فلا نذكر ماضيه، ونزحف على مجراه مستحوذين على أملاكه التي لا تتقادم، وبين سنة وأخرى يجري كالتيس الجبلي فيجرف ما بنيناه، ويذكرنا بجبروته الذي لا يقهر، ويعيد إلينا الحياة، وتعلو على محيانا الضحكات الحبلى بمصيف الحقول.

    على خلاف نهرنا المتقلب، يشق نهر الدانوب مجراه ويستوطنه، يرسم حدود واديه ولا يفارقه، يحفر في عمق الأرض، ويتمدد عرضا، ويمحو الحدود بين الدول، هادئ كأهله لا يتغير مع الزمن، شهد أحداثا جساما وما زال يذكرها حتى اليوم، أو يذكر بها حتى لا تنسى. تطل عليه من عل ربوات دائمة الاخضرار تتوسطها أثار عمرانية تؤرخ لحضارات مدها بكل مقومات الوجود والاستمرارية، فامتدت في الزمن الحاضر وتتطلع لمستقبل لا يعرف الانتكاسة.

   زرت بودابست سائحا، وأشرفت على النهر الجاري من عل. يمنحه ضوء الغروب حمرة نحاسية، تقطعه عشرات السفن جيئة وذهابا، فتخيلت درعة مثله رقراقا، وغابات النخيل تحفه من كل جانب ونقيق الضفادع يغازل ضوء القمر، فرحلت بخيالي من بودابست إلى زاكورة، تتعالى أصوات النساء:

غِيثْنَا يا رَبِّي بْشِي شْفَاعَا زِينَا

تْصَبْ الشْتَا وَيَرْجَعْ وَادْنَا سَلْطَانْ لْوِيدَانْ.

     يعتقد الإنسان الدرعي أن تقلب أحوال درعة بين الجفاف والفيضان سببه كثرة معاصيهم، ولا يفكرون في تحسين أفعالهم بل يرجون شفاعة الأولياء الصالحين منهم، ليرسل الله عليهم السماء مدرارا، وتفيض الواحة أنهارا، ويصير درعة سلطان الوديان. لكنه يحلم ليلا، وكلام الليل يمحوه النهار.

     أتأمل نهر الدانوب الهادئ في ذلك المساء والأشجار الوارفة الظلال التي تحف جوانبه، فأتذكر غابات النخيل التي عصفت بها السنون العجاف، فيحضرني قول مطران خليل مطران في مسائه:

   وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالنَّهَارُ مُــــــوَدِّعٌ        والْقَلْبُ بَيْنَ مَهَابَةٍ وَرَجَـــــاءِ

   وَخَوَاطِرِي تَبْدُو تُجَاهَ نَوَاظِرِي         كَلْمَى كَدَامِيَةِ السَّحَابِ إزَائِي

  وَالشَّمْسُ فِي شَفَقٍ يَسِيلُ نُضَارُهُ        فَوْقَ الْعَقِيقِ عَلى ذُرىً سَوْدَاءِ

   مَرَّتْ خِلاَلَ غَمَامَتَيْنِ تَحَـــــدُّراً      وَتَقَطَّرَتْ كَالدَّمْعَةِ الحَمْــرَاءِ

        لماذا يجرف النهر ماضينا بأفراحه وأحزانه، ولا يسمح بترسيخه في المكان؟ ألأن ثقافتنا ثقافة شفوية لا تقبل التراكم؟ أم أن الصراع من أجل البقاء ينسينا ماضينا ولا نفكر إلا في حاضرنا؟ أم أن أحزاننا تفوق أفراحنا، فيأبى النهر إلا أن يجرف ما يذكرنا بها؟

     مهما كان الجواب، يبقى درعة نهرنا العظيم، نشكره على ماضيه الخصب، ولا ننساه في أيام جفافه، ولا يغادر ذاكرتنا بعد أن فرضت علينا ظروف العمل أن نغادر حماه.  ولا خيار لنا إلا أن نترقب فيضانه العظيم مع بداية كل موسم خريف ليعم علينا الخير العميم. ويمحو آثار الحزن على وجوه شيوخنا الذين لا يملون من التطلع إلى الأفق باحثين عن مزن مثقل، ويحقق أمال أطفالنا الذين يحلمون باللحظات التي يتراجع فيه فيضان النهر فيحولونه إلى مسبح يرطب أجسادهم النحيفة من حرارة صيف لا ينتهي.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق