الثلاثاء، 10 سبتمبر 2024

تأبين المشمول بعفو الله أخي الأكبر عبد الرحمان بن البشير المتقي

 


  

  

  

          

       كانَ الوقتُ أصيلًا.... حينَ تعالتٍ الهواتفُ بالتَّنادي: نادَى الرحمانُ عبدَه فلبَّى النداءَ. فاضَ المساءُ بطوفانِ الرسائلِ، وعويلِ الهواتفِ.. عبدُ الرحمانِ مات ... المتقيُّ التقيُّ النقيُّ فاضتْ روحُه وعُرجَ بها إلى السَّماءِ.

      ستونَ سنةً ونَيفٌ منَ اللُّحمةِ الأخويةِ جمعتْنا، ذُقْنا فيهَا ما ذقْنا منْ فواكهِ الزمانِ حُلوِها ومرِّها، أتأملُها الآن صورًا تتسابقُ نحوَ ضوءِ الذاكرةِ، تتلونُ بأحزانِنَا وأفراحِنا. قال لسان الحال:

كُنَّا كَغُصنَينِ فِي جُرثومةٍ سَمقـــــــــــــــَا

حِيناً بأحسنِ مَا تَسْمُو لَهُ الشَّجَرُ

حتَّى إذا قيلَ قدْ طَالَتْ فُروعُهمَا

فَطَابَ فَيئَاهــُـمَا واسْتنظرَ الثَّمَــــرُ

أخنَى علَى واحدٍ ريبُ الزمانِ ومَا

يُبقِي الزمانُ علَى شْيْءٍ وما يَذرُ

 

       كانت أخوتُنا خيمةً نَلُوذُ بها كلَّمَا اشتدَّ حرُّ الهَاجِرةِ، علَى جَنَبَاتِهَا عينُ ماءٍ جاريةٍ، وشُجيراتُ نخيلٍ تسّاقطُ علينا دونَ أن نَهزَّها رٌطبًا جنيًّا. نتفيَّأُ ظلالَ المَحبَّةِ والوفاءِ التي زُرعتْ فِينا سَوِيًا، فأيْنَعَتْ وأزهرَتْ ثم أثمرَتْ. كُنتَ أنتَ أيها الأخُ الأكبرُ جذعَها المتين، وكنتُ أنَا وإخوتِي أغصانًا تهزُّها الريحُ كُلَّما هبَّتْ شرقيةً، فنجدُ في فروعِ الجِذعِ الذِي كنتَه ملاذًا يَقينَا صقيعَ شتائِها، وظِلاًّ ظليلًا يردُّ عنَّا شُواظَ صيفِها، ... فكانتْ خطانَا على امتدادِ الزمنِ العنيدِ جداولَ صافيةً يُسمعُ لحصَاها رنينٌ نَسْتَلذُّه تارةً، وتارةً يكونُ لها أنينُ.... فتكونُ أنتَ أنتَ بَلْسَمَ جرحِه ...فَيتحوَّلُ الأنينُ إلى حنينٍ. 

     أيها الأخ الوفيُّ الذي كنتَ، .... ماذا تَبقى منكَ الآنَ، .... ممَّا كانَ.... أيُّهذا الغيثُ الذي يلازم الغمامَ، كنتَ الناطق في مثل هذا المقام، فهل تسمح لي في غِيابِكَ بالكَلام، وإن كان الكَلام لا يشفي الكِلام؟.....لأُعلنَ أمامَ كلِّ الأنام، أنني فَقدتُ بفقدكَ الأخَ الصديقَ الرفيقَ الصبورَ السموحَ الصبوحَ. كنتَ وما زلتَ وستظلُّ حتى في غيابكَ.. ظلًّا ظليلًا يُتفيَّأُ في صَحْراءَ لا ظلَّ فيهَا لِي إلا ظلُّك، أَستظلُّ بهِ حينَ تغيبُ الظلالُ.

      كنتَ فِي أسرتِنَا الصغيرةِ ثالثَ الأثافِي، بكَ يستوي قِدرُنا على نارِه الهادئةِ، نَرمي بكَ مُلمَّاتِ مشاكلِنا، وباسقاتِ همومِنا، فتنيرُ حياتَنا بنصائحِك المحفوظةِ، وتُغني جلساتِنا باحاديثكَ المعهودةِ.

       بصبرٍ جميلٍ، وأملٍ في الله كبيرٍ، واجهتَ الداءَ سنينَا. وهَا أنتَ تَتسللُ ذاتَ خميسٍ - وَسماءُ اللهٍ ممطرةٌ - دونَ أنْ نسمعَ لكَ صرخةً أو أنينَا، فتُزَفُّ بَعْلًا إلَى الأرضِ التِي تُكنُّ لكَ وتُكنُّ لهَا حبًّا دفينَا. فمن بعدكَ يبقَى لنَا، من بَعدَكَ يكون ثالثَنَا، منْ بعدكَ يُجالسُنا، يُشاركُنا حنينَ طفولتِنا، يحكِي لنَا عنْ شِيمِ الوالدِ الذي ودَّعنَا ونحنُ حُمْرُ الحواصِلِ، وعنْ صبرِ الوالدةِ التِي كانتْ لنَا حصنًا متينَ الأواصرِ.

        فَلِمَنٍ أَقُولُ إذا تُلمُّ مُلمَّةٌ

      أرِنِي بَرَأْيِكَ أمْ إلَى مَنْ أَفْزَعُ

      " فاجعٌ موتٌك يا ابنَ أمِّي وأبِي، موجعٌ غيابُكَ، فِي لَحْظَةٍ كنتَ فيهَا مأخوذًا بشيمِ الصدقِ والنبلِ والوفاءِ والعطاءِ"، مُحِبًّا للخيرِ، مبادرًا للقيامِ بهِ دًونَ أن تَعلمَ يُسراكَ ما قَدَّمتْ يمناكَ، قويَ الإيمانِ باللهِ راضيًا بِقَدرهِ. لمْ يَشغَلْكَ المرضُ عنِ القيامِ بمهامكَ المهنيةِ التِي كُلِّفتَ بِها، لَا ولَا دَعوةَ أحبائكَ إلى مَجالسِ الأحاديثِ المؤنسِةِ، ناسيًا أو متناسيًا أن لمْ يَبْقَ لكَ فِي هذهِ الدُّنيا في أحسن الأحوالِ إلا  سنواتٌ معدوداتٌ، كان بلسمَ قلبِك ونسيمَ تفاؤلِكَ اسْتحضارُك في كل لحظةٍ أنك مُقبلٌ على ربٍّ غفورٍ رحيمٍ  تحسنُ الظنَّ بهِ، فلم تقنطْ من رحمتِهِ، ولم تيأسٍ من مغفرتهِ،  فواظبتَ على صلاتكَ قيامًا وقعودًا، ولمْ تَمَلًّ من الحمدٍ والشُّكرِ والدُّعاءِ رُكوعًا وسُجودًا، وداومتَ على قراءةِ ما تَيسرَ من القرآنِ  ترتيلاً وتجويدًا.

     عشتَ مسكونًا بالبحثِ والتنقيبِ بين سُطورِ السُّورِ وآي الذكر باحثًا عن أسرارِها وفصاحتِها وبلاغتِها، ومهووسُا بالكشفِ عن تراثٍ درعةَ الخير، فصرتَ ملازمًا للحيوني في رِحلتِه، والتامكروتِي في سِفاريتِه، والمهدي الجراري في تربيتِهِ، والناصري في أدعيته، فلا يمرُّ يومٌ دونَ أن تُردِّدَ:

 

    يـا   مَـنْ   إِلـَى   رَحْمـتِـهِ   الْمفَرُّ 

وَمَـنْ     إِلَـيْـهِ   يَـلْجَـأُ    المُضْطَرُّ

وَيَـا   مُغِـيـثَ   كُـلِّ   مَـنْ   دَعَاهُ

وَيَـا    قَـرِيـبَ   الْعَـفْوِ   يَا   مَوْلاَهُ    

بِـكَ   اسْـتَغَثْنَا   يَا مُغِيثَ الضُّعَفـَا

 فَحَسْـبُـنَا   يَـا رَبِّ   أَنْتَ    وَكَفَى 

فَـارْحَمْنَا يَا مَـنْ لاَ يَزَالُ  عَالِمـــــــــاً 

بِضُعْـفِـنَا  وَلاَ يَـزَالُ   رَاحِـماً       


والآنَ يا أحبائِي، بعدَ رحيلِ ثالثِ الأثافِي، أستسمِحكُمْ في السؤالِ: ما قيمةُ الحياةِ بعدَ رحيلِ الأخوةِ المفقودةِ؟ ما طعمُ الرقادِ بعد غيابِ الأنيسِ في مجالسِ المساءِ المعهودةِ؟ ما تِرياقُ همومِ السُّهادِ بعدَ الفراقِ؟ معذرةً يا أحبائِي: لمْ يعدْ لِي صوتٌ، بعدمَا سَقينِي أخِي برحيلهِ فاتحةَ الرّعدِ. عقلِي المصدوعُ عاجزٌ عنْ فهمِ كيفيةِ احتضانِ قبرٍ لِقلبٍ يَنبضُ بالحياةِ، عبدُ الرحمانِ جَدلتْه عاصفةُ المرضِ حبلَا من الرَّدَى، فطاشَ لفقدِه العقلُ والفؤادُ، وفُجعتْ لموتِه البلادُ.

    ما أمَرَّ الفقدَ يا أحبائِي ... عينايَ من الدموعِ جفَّتْ .... حنجرتِي منَ الصمتِ القاتلِ كلَّتْ .... فأيُّ لغةٍ تَرثيكَ يَا ثالثَ الأثافِي..؟  أيُّ كلماتٍ تُؤَبِّنكَ؟  أيُّ قولٍ يُعزينَا فيكَ؟

ولقدْ قصدتُ الدارَ بعدَ رحيلِكُمْ

وَوقفتُ فِيهَا وِقْفـــــــــةَ الحَيـــْــــرانِ

وَسألتــُــــــــهَا لَكــــــنْ بِغيـــرِ تكلِّــــــــمٍ

فَتكلمتُ لكنْ بغيــــــرِ لســــــــــــانِ

وَا لَهْفَتِـــي وَا وَحْدَتِي وَا حَيْرَتــِــي

وَا وَحْشَتِي وَا حَرَّ قلبـِي العانِي


     بالأمسِ، كنتُ - أنا المفجوعُ بصمتكَ الأبدِي - جالسًا بالبيتِ وحيدًا، ألتحفُ صمتِي، أتأبطُ حزنِي وذهولِي، أحاولُ إقناعَ نفسِي برحيلكَ فلا يُصدقنِي قلبِي، أتأبطُ فقدانَ لقائكَ، أترك ذاكرتِي تَستعيدُ ذكرياتِي، أستعيدُ ستينَ عامًا قضينَاها معًا لحظةً لحظةً، لتكونَ النهايةُ وداعًا. وداعٌ يعانقُ الولادةَ، وأنا أعانقُ ذكرياتِي وأمشِي، أمشي قليلًا، أتوقف طويلًا، ألتفت ورائٍي علَّ ظلكَ يظلني من جديدٍ.... مسكينٌ أنتَ يَا أنَا، لمْ تُصَدِّقْ بعدُ أنَّ النجومَ ضوؤُها لا يدومُ، مصيرُهَا الأفولُ، لتضيءَ دياجيرَ القُبور.

       لن أنسَى ما بيننَا يا ابنَ أمِّي وأبِي، سأزوركَ هناكَ، وأجلسُ قربكَ هناكَ: أتحدثُ إليكَ هناكَ... أدعو لكَ سلامًا سلامًا...

                                            أما القبورُ فإنهنَّ أوانسٌ

                                             بجوارِ قبركَ والديارُ قبورُ

        سلامًا عليك يَا ابن أمِّي سلامًا، سلامًا عليكَ يومَ كنتَ ويومَ رحلتَ ويومَ تبعثُ كمَا كنتَ، نقيًّا طاهرًا محبًّا ومحبوبًا حاملًا كتابكَ بيمينكَ سلامًا سلامًا...

    سلامًا عليكَ شاهدًا ومشهودًا، سلامًا عليكَ وَحدكَ الناطقَ فِي موتِكَ ونحنُ الصَّامتون، تُنَادِينَا، تَصرُخُ فينَا، تَرفعُ صمتَكَ الناطقَ في وجوهِنَا" فلَا نَسمعُكَ، فترحلُ حاملًا سرَّكَ الدفينَ. آهٍ ...يا أنَا...  يا قليلَ الزادِ يا أنَا .... كمْ هوَ موحشٌ دَرْبُ الذهابِ بلَا إيابٍ.

                                      هِيَ المَقاديرُ لَا تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ 

                                          وَكُلُّ ذِي نَفْسٍ فيهَا لآمَادِ

 

       تُرْمَى الخطواتُ وراءَكَ خطوةً خطوةً، تَراكمتِ الخُطَى، صارتْ ركامًا يَحجُبُ الرؤيةَ. تَشكَّلَ بَيْنِي وبينَكَ سورٌ لهُ بابٌ وحيدٌ باطنُه يقينٌ وظاهرُهُ سرابٌ، "زبدٌ رمادٌ وحشةٌ كفَنٌ غِيابٌ" أخوانِ نحنُ فرَّقَ بينهُمَا الترابُ. أينَ حلمُنَا الطفولِي؟ ضاعَ الحلمُ فِي قرارةِ الغيابِ، فلمْ يبقَ وقتٌ للجوابِ... ظلمةُ التابوتِ اشتعلتْ ...فوداعًا يا منْ لا أطيقُ معهُ وداعًا....           

                عليكَ سَلامُ ربكَ في جِنانٍ

              مُخالِطُــــــــــــــها نعيـــــــــــــمٌ لا يزولُ

 

الأربعاء، 18 أكتوبر 2023

كلمة تأبين المشمول بعفو الله الحاج البصري المدني بن الطيب بن العربي الدرعي

 





  أيها السادة الأفاضل أحباء المرحوم وأخلاؤه

         نقف في هذا اليوم المبارك  26 ماي 2023 بعد صلاة الجمعة أمام باب من أبواب الرحمان لنشيع إلى رحمته رجلا من رجالات درعة الخير، وأحد أعمدة التربية والتعليم بزاكورة على امتداد عقود أربعة، المشمول بعفو الله ورحمته الحاج البصري المدني. هذا الرجل الذي لا يذكر قطاع التربية والتعليم في مدينة زاكورة بعد الاستقلال، إلا وتستحضر ذاكرة جيل بأكمله دوره التربوي والإداري في بناء أسس المدرسة المغربية في هذه المنطقة. فقد كان المدرّس والمسير والمدبر لهذا القطاع على امتداد العقود الأولى لجيل الاستقلال، فساهم في تكوين أجيال من أبناء هذا الوادي ممن شغلوا مواقع مهمة في جل قطاعات الوظيفة العمومية. والجم الغفير من الحاضرين في جنازته اليوم ثلة قليلة ممن عاصروا وعاينوا أثر الحاج البصري على الأرض على امتداد مساره المهني، ولا أشك في أن الأحاديث والذكر بعد انتشار خبر التحاقه بربه، كانت تلهج بأياديه البيضاء على كل تلامذة درعة ورجال تعليم درعة.

         فقد مارس التعليم في خمسينيات القرن العشرين فكان مآله التوقيف عن العمل من قبل أحد رجالات الاستعمار الفرنسي لالتباس اسمه باسم أحد رواد الحركة الوطنية، فالتحق بسلك العدول لفترة وجيزة، لكنه لم يجد فيه ما يرضي ذاته، فالتحق مرة ثانية بالتعليم بلقب آخر، وتحمل مسؤولية التسيير والتفتيش سنين عددا. قبل أن ترغمه أنفته وكرامته في ظروف وطنية خاصة جدا على الانتقال إلى أولاد تايمة، ثم إلى ورزازات التي ظل بها مديرا حتى بلوغ سن التقاعد.

      وأتساءل اليوم، وأنا أعلم علم اليقين اهتمام أهل درعة بماضي الوادي، لم لا تفكر مدرسة الشريف العلوي التي مرت بها أجيال وأجيال من التلاميذ والمعلمين والمسؤولين الإداريين أن تدون ذاكرتها، وتؤرخ لرجالاتها الذين مروا من هناك، وتركوا آثارا تدل عليهم اعترافا لهم بالجميل الذي لن ينسى، وحفظا لذاكرة سرعان ما يمحوها الزمن إذا لم تقيدها الكتابة. لم لا يفكر مسؤولوها وقدماؤها من المعلمين والأساتذة في أن يضعوا شجرة معلميها ومديريها لتكون نبراسا مضيئا للأجيال اللاحقة من فلذات أكبادنا. فهذه المدرسة ليست كباقي مدارس المنطقة، فقد ارتبطت ذاكرة زاكورة بذاكرتها. فإذا فكر مسؤولوها في ذلك، فسيكون الحاج البصري المدني بلا شك واسطة عقدها، ومنارة من مناراتها التي أضاءت بنورها الأجيال تلو الأجيال. 

     ولم تكن العلاقة بين الحاج البصري المدني وبين درعة الخير محصورة في مسؤولياته المهنية فحسب، بل ارتبط بها ارتباط الابن بأمه فلا يفارقها إلا ويحن إليها، ولا يغترب عنها إلا ويشتاق إلى العودة إليها، ولا يحضر مجلسا من مجالس أخلائه وأحبائه من أهل درعة إلا ويلهج بعاداتها وتقاليدها وأعرافها وتاريخها وثقافتها، وأيامها ورجالاتها الذين ساهموا في بنائها. وبوداعه ودعنا معه ذاكرة حية من تاريخ درعة المعاصر، وشاهدا حيا على أحداثها وتاريخها، بل ومكتبة شفوية من ثقافتها. ويحز في النفس أن تطمس هذه الذاكرة كما طمست قبلها أخريات عدة.

   وإذا كانت للمشمول بعفو الله ورحمته من ميزة تميزه فهي قدرته على الحوار والجدل والإقناع والاقتناع من غير تعصب متسلحا بقلب واسع، وعقل راجح، وخبرة صقلتها التجربة، لا مع جيله فحسب، بل مع كل الأجيال اللاحقة، فهو شديد الارتباط بأبناء جيله يحاورهم ويجادلهم ويجالسهم، ويتنفس الهواء بهم، فهم له كالماء للسمكة،  لكنه شديد الارتباط أيضا بالأجيال اللاحقة، يحسن الإصغاء إليهم ، والحوار معهم في غير تعصب لذاكرة الماضي الذي يمثلها، وفي انفتاح  واع على الحاضر والمستقبل، فقاوم المرض والشيخوخة وانتصر على اليأس الذي لم يجد منفذا  إلى عقله وقلبه،  فعاش حياته كلها حتى آخر يوم من عمره متفائلا بالغد، محبا للحياة متمسكا بها ، فاعلا فيها برأيه وفكره بعد أن خذلته صحته.

      وتشاء الأقدار الربانية أن يغادر درعة مثل كل أبنائها دون أن ينساها لحظة واحدة. ففي الأيام القليلة الماضية قبل وفاته رحمه الله،كان يمني النفس أن يسترجع صحته، ويزورها ليجالس أحباءه وأصدقاءه الذين لم نخبره قط بأنهم التحقوا قبله بالرفيق الأعلى، فكان يسأل عن أخبارهم، ويكثر من الحديث عنهم، ونرفع اليوم أكف الضراعة إلى العلي القدير أن يجمع بينهم في جنته، ويشملهم برحمته، إنه هو الغفور الرحيم.

     اللهمّ اجزهم جميعا عن الإحسان إحسانًا، وعن الأخطاء عفوًا وغفرانًا، اللهمّ إنّ معلمنا وأستاذنا ومديرنا وكبير عائلتنا نَزَل بك وهو فقير إلى رحمتك، فاستقبله بمغفرتك ورضاك، وتقبل أعماله الصالحة التي أحصيتها ونسيها، بما تقبلت به أعمال الصالحين من عبادك، واحمه تحت الأرض، واستره يوم العرض، ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم.

      اللهم كما كنت به رحمانا في الدنيا، فأصلحت له أبناءه، وسخرتهم جميعا لخدمته، فخفضوا له جناح الذل فلم يتأففوا في سرهم وعلانيتهم من شطحات كبره، وحملوه على أكف الراحة حنى شيعوه إليك آمنا مطمئنا، فكن به رحيما في الآخرة، فقد ودعنا وهو يحسن الظن بك، ويطمع في رحمتك فلا تخيب ظنه فيك، فأنت الغفور وأنت الرحيم. اللهم أنزله منزلًا مباركًا، مع الشهداء والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا.

      اللهمّ آنسه في وحدته، وفي غربته. واملأ قبره بالرّضا، والنّور، والفسحة، والسّرور. واجعل نفسه آمنةً مطمئنّةً، راضية مرضية وخاطبها بقولك وقولك الحق: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، وادخلي في عبادي وادخلي جنتي." صدق الله العظيم.

                                                       علي بن البشير المتقي

السبت، 19 فبراير 2022

الفقيه علي بن محمد التامكروتي ونفحته المسكية

 

ا                               

                                        

         تمهيد: كانت بلاد درعة الوسطى في القرن العاشر بلاد علم ومجمع علماء وفقهاء. وانتشار الزوايا على امتداد الوادي أثر دال على هذه الظاهرة، إلا أن هذا الانتشار لم يحقق تراكما علميا ومعرفيا في القرون الموالية، مما يدفعنا إلى التساؤل: أين أثر القرن العاشر في ما بعده، ولماذا اضمحل العلم وقل العلماء بعد هذا القرن؟

       يرجع الباحثون السبب الرئيس في ذلك إلى توالي الأوبئة التي أبادت الكثير من الناس، وإلى الهجرات المتوالية التي فرضتها الظروف المناخية، إذ لم يكن وادي درعة واديا دائم الاخضرار، فقد توالت عليه فترات جفاف قاتلة عصفت بالأخضر واليابس، مما دفع بالكثير من رجالاته وعلمائه إلى الهجرة منه كما جاؤوا إليه في فترات اخضراره.

الأربعاء، 9 فبراير 2022

التعايش السلمي بين الأديان في الشعر الحديث

 


 

                    د. علي المتقي

تمهيد

       التعايش السلمي بين بني البشر بمختلف أجناسهم وعقائدهم قديم قدم البشرية، فمنذ أن وجد الإنسان وجد معه غيره من بني جنسه، هذا الآخر الذي قد يختلف عنه في الجنس أو الدين أو القيم والأعراف... فكان لا بد من أحد أمرين: إما أن يجعلا من الاختلاف جوهر وجودهما وأساسه، فيتقاتلان ويتصارعان ويبيد الواحد منهما الآخر من أجل أن يثبت وجوده، وإما أن يجعلا من المشترك بينهما أساس وجودهما فيتعايشان ويقبلان باختلافهما. وقد عاش الإنسان الأمرين معا، فصارع بعضه في فترات من التاريخ، وعايش بعضه الآخر في فترات أخرى، لكن الحرب لا تستمر إلى ما لا نهاية، فقد تنتهي مهما طال أمدها بالصلح وعقد المعاهدات ووضع القوانين التي تضمن لكل منهما حق العيش في أمن وأمان. ولعل هذا التعايش هو قيمة من قيم الإنسان الغريزية، فهو اجتماعي بطبعه، ويتحكم في هذه الغريزة بعقله الذي يميل إلى السلم والتساكن والتعايش.

الأحد، 20 مايو 2018

مات المؤرخ .... فمن يؤرخ لوفاته.



                        
          كان الوقت صياما حينما توقف الزمن في درعة ليؤرخ لمصاب جلل تمدد معه الحزن ليغطي خضرة النخيل. انتظرنا طويلا  من ينقش على الصخور، ويسجل على سعف النخيل وفاة أحد باحثي درعة كرس حياته بحثا وتنقيبا، وجمعا وتدوينا لأحداث جسام ملأت الدنيا وشغلت الأهالي قرونا عددا. اشتغل الناس بتبادل التعازي كعادتهم على إثر كل مصاب جلل. تساءلت أين المؤرخ ليؤرخ ما وقع و ما يقع، ما قيل و ما يقال؟ قيل لي: ألا تدري ...؟  مات المؤرخ ، فانكسر القلم و جفت الدواة، ولم تعد الكتابة قيدا لما تدروه نسمات جلسات المساء.

السبت، 19 مايو 2018

قراءة في قصيدة القدس لأحمد المجاطي



                  



          يتميز ديوان الفروسية للشاعر أحمد المجاطي بوصفه ديوان شعر المدينة بامتياز. فقد أثثته مدن الدار البيضاء وسبتة والرباط و ورزازات وطنجة ووهران والقدس ودمشق وصنعاء ومكة وفاس...ولم يكن ذلك عبثا أو صدفة، فقد كانت المدينة العربية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته فضاء للحركات الاحتجاجية الاجتماعية والسياسية التي قادها اليسار العربي الذي ينتمي إليه الشاعر ويتنفس داخله. وكانت مدينة القدس مركز الصراع العربي الإسرائيلي الحاضرة في كل هذه الاحتجاجات، منها تبدأ وإليها تنتهي. وكانت المدينة موضوع الكثير من نصوص  الشعراء  المعاصرين أمثال عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وعبدالمعطي حجازي ... وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء الشعراء الذين جاؤوا من القرية يرون في المدينة مكانا لفقدان إنسانية الإنسان وقيمه البدوية الأصيلة، كان المجاطي يرى في المدينة فضاء للتحرر والثورة. ومن قصائد هذا الديوان قصيدة القدس التي نقترج لها هذه القراءة:

الأحد، 8 أبريل 2018

تجربة محمد بصراوي الشعرية في ديوان : قصة منسية


                                  
     


تجربة محمد بصراوي الشعرية تجربة غنية بآمالها و آلامها، يتداخل فيها الذاتي الفرداني بالوطني والقومي والإنساني. إنها معادل موضوعي لتجربة حياة شاعر عاش العقود الثلاثة الأخيرة من الألفية الثانية بآمالها العريضة الذي كان يبشر بها اليسار العربي و آلامها الناتجة عن الكبوات الوطنية والقومية المتتالية. لذا جاءت قصائد الديوان تعبيرا عن محطات من هذه الحياة في تفاعلها مع ذات الشاعر.

الأربعاء، 4 أبريل 2018

الأحد، 4 مارس 2018

قراءة في قصيدة الشاعر المغربي محمد بنطلحة . "أنا، سليل الهمج "




في مقبرة ولدت
وفي حانة أموت
حكيم كالرماد
وحيثما حللت، كألوان الطيف
لا أستريح
أتجدد
صبرا علي
هنيهة وأخرق ما أريد:
قبالة شواطئ اللغة، ناقلة بترول
تحت أجفان العائلة، رداء الغطس
وتحت أجفاني، معاهدة شنغن
وقانون الصحافة
ماذا سأخسر؟
كائن هيروغليفي، أنا
في أوقات الفراغ
أبيع الخمور
للموتى
وفي أوقات الشدة
أقول للحضارة:
لست أمي
لهذا أيضا
أغامر
وأسرق التعويذة
من تحت رأس كل مومياء
وجدتها في طريقي
how many roads...
how many seas..
.
أوف
أنا من هرقت فوق الأرض
قارورة المعنى
أحب الهندسة
ولا أحب الحساب
عندي،
يوم الحساب مضى
ولن يعود
ليس لي email
هدبي حمام زاجل
وكل رسائلي تنتهي بالعبارة التالية:
حتى
بعد كل هذه الهزائم
أنا هو المنتصر

الخميس، 28 ديسمبر 2017

كلمة ألقيتها في حفل تكريمي بكلية اللغة العربية بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية








بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على من أرسل رحمة للعالمين، 
      السادة الأفاضل: أبى مجموعة من الزملاء الأعزاء إلا أن يضعوني في دائرة الضوء في هذا اليوم الأغر، يوم الاحتفال باللغة العربية. وأبيتم بحضوركم  إلا أن تزكوا هذا الاقتراح وتباركوه بحضوركم. وهي مناسبة ألزمتني أن أتوقف قليلا لأنظر في المرآة لأتأمل خمسة عقود ونيف من حياتي، و ثلاثة عقود ونيف من التحاقي بسلك التعليم. تأملت وجهي طويلا، في صوره المتعددة من الطفولة إلى الكهولة، وتخيلت نفسي واقفا أمام الله عز وجل يحاسبني على كل صغيرة وكبيرة، فكان أول شيء زرع الخوف في قلبي هو أنني أحمل لقبا أخاف ألا أستحق حمله لقب "المتقي"، فهل في حياتي ما يجعلني أستحق هذا اللقب؟ التفتت يمنة ويسرة، فوجدت حشدا كبيرا من الناس من مختلف الأعمار، تفرست في وجوههم،رأيتها مبتسمة مستبشرة برؤيتي، فيهم من أعرفه، وفيهم من يعرفني ولا أعرفه. أحسنت الظن بهم، فقلت بصوت مضطرب: يا رب رضيت بهؤلاء شهودا، فقالوا بصوت واحد: يارب ارحم ضعفه، واغفر ذنبه، فقلوبنا تحدثنا أنه من الصادقين.

الجمعة، 18 أغسطس 2017

أشواق درعية أخرى



      زرت درعة في السنوات الأخيرة بعد غياب  قارب نصف قرن من الزمن متشوقا إلى ظل ظليل تفيأته في حقول قطوفها دانية، وماء عذب زلال رشفته من آبار عيونها جارية، وعشب  أخضر رعيته في بطحاء أطرافها مترامية، وسمفونية أصوات تنشدها طيور صداحة، وحشرات طنانة، ما زال يتمثلها ذهني، فأصغي لها سمعي،  ويخشع لها قلبي، وأتراب يتسامرون  في دروب  تتكيف حرارتها مع أحوال الطقس المتقلبة.

الاثنين، 26 يونيو 2017

قناع المتداول المألوف و عري الاستعاره: قراءة في قصيدة زهور لأمل دنقل

1 وسلالٌ منَ الورِد,
2 ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه
3 وعلى كلِّ باقه
4 اسمُ حامِلِها في بِطاقه
        ***
5 تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ
6 أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
7 لحظةَ القَطْف,
8 لحظةَ القَصْف,
9 لحظة إعدامها في الخميلهْ!
10 تَتَحدثُ لي..
11 أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين
12 ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ, أو بينَ أيدي المُنادين,
13 حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ
14 تَتَحدثُ لي..
15 كيف جاءتْ إليّ..
16 (وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)
17 كي تَتَمني ليَ العُمرَ!
18 وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!
       ***
19 كلُّ باقهْ..
20 بينَ إغماءة وإفاقهْ
21 تتنفسُ مِثلِىَ - بالكادِ - ثانيةً.. ثانيهْ
22 وعلى صدرِها حمَلتْ - راضيهْ...
23 اسمَ قاتِلها في بطاقهْ!

قراءة في كتاب الحجاج في الخطاب


                                     

      عبد اللطيف عادل  من الأساتذة الباحثين الشباب الذين استطاعوا شق طريقهم في البحث العلمي بثبات، وبناء مشروع علمي حجاجي يتغيا توظيف التراكم الحجاجي النظري في المدونات الغربية القديمة و المدونات العربية والدراسات الغربية المعاصرة في قراءة الخطاب العربي قديمه وحديثه. وقد كان لي شرف المشاركة في مناقشة عمله الأول الذي أنجزه تحت إشراف الزميل العزيز الدكتور عبد الواحد بنياسر منذ ما يزيد عن عقد من الزمن. والعمل الذي نحن بصدد تقديمه اليوم هو استمرارية لهذا المشروع وتعميق له، فقد سبق أن قارب المناظرات والخطاب السياسي العربي، و السرد الطويل، وهو اليوم يقارب أشكالا أخرى من الخطاب العربي القديم والحديث هي الخطاب القرآني و الخطاب السياسي الأموي والخطاب الشعري والخطاب القصصي. ولن أقوم بتلخيص ما قام به لأن تلخيص كتاب لا يغني عن قراءة الكتاب، وإنما سأثير مجموعة من التساؤلات التي تبادرت إلى ذهني وأنا أقرأ هذا الكتاب لتكون موضوع كتابات أخرى مستقبلية، وموضوع نقاش مستفيض بين الزميل عبد اللطيف عادل و من شرفنا بالحضور في هذه الأمسية المباركة .

قراءة في كتاب نظريات الاستعارة في البلاغة الغربية لعبد العزيز لحويدق


 



    لا يهدي النقاد والكتاب كتبهم وعصارة أفكارهم إلى غيرهم لتوضع في رفوف المكتبات أو لتزين بها الصالات، وإنما لتقرأ وتضيف إلى معارفنا قيمة مضافة. ومن عادتي أن أهتم بهدايا زملائي وأصدقائي العلمية و الأدبية. وخير رد على هدية كتاب يهدى إليك قراءته وإنتاج معرفة به. و بدل من أن يوضع في الرف يوضع في سياقه الثقافي والمعرفي . وقد أهداني الزميل العزيز و الباحث المثابر السي عبد العزيز لحويدق مشكورا كتابه القيم هذا الذي نحتفي به اليوم "نظريات الاستعارة في البلاغة الغربية من أرسطو إلى لايكوف وجونسون" منذ صدوره. وأشكر جزيل الشكر المسؤولين في وزارة الثقافة الذين أتاحوا لي هذه الفرصة للاحتفاء بهذا الكتاب وإثارة النقاش حول قضاياه .

الاثنين، 1 مايو 2017

المعتمد ومملكة الشعر مع قراءة في قصيدته قبر الغريب



      
                                  

       

 
       
جميل جدا أن نحتفل بالشعر، جميل جدا أن نبني مملكة لا تحدها حدود طبيعية أو عرقية أو عقدية، مبدأها الحرية في بعدها الوجودي، والإنسانية في بعدها الشمولي، والغنائية في بعده الإيقاعي.  مملكة تنتصر على الزمن، إذا أشرقت شمسها لا يلحقها الأفول كشموس باقي المماليك.

الجمعة، 6 يناير 2017

اللقاء الذي نظم احتفاء بالباحث الأكاديمي مصطفى القباج في كلية اللغة العربية . يوم الجمعة 15 يونيو 2016


                         
كلمة الكلية 

     السادة الأفاضل: في البداية أنقل إليكم تحيات السيد العميد الأستاذ محمد أزهري ونائبه في البحث العلمي والتعاون الأستاذ مولاي المامون المريني و اعتذارهما لكم عن الغياب عن هذا اللقاء لأسباب قاهرة . فباسمهما معا  وباسمي الشخصي وباسم السادة الأساتذة والموظفين والطلبة،  يسعد كلية اللغة العربية أن تحتفي اليوم مع الفرع الجهوي لاتحاد كتاب المغرب  بأحد الأكاديميين المغاربة الذين راكموا إسهامات متعددة و متنوعة في حقول الفكر والأدب والفلسفة  وعلوم التربية و النقد المنفتح على المسرح والسينما و  انخرطوا في منظمات المجتمع المدني وانشغلوا بالبحث عن الإجابة عن الأسئلة الراهنة التي تؤرق بال المجتمعات العربية الإسلامية عامة و المجتمع المغربي خاصة  الدكتور مصطفى القباج. ولم يكن ذلك بالأمر الغريب عن هذه الكلية واهتماماتها فهي وريثة جامعة ابن يوسف التاريخية التي ضمت خيرة علماء هذه المدينة  العامرة  بل ودرس بها أساتذة وباحثون مغاربة وأجانب ساهموا في تكوين أجيال من الأساتذة الذين تحملوا وما زالوا يتحملون مسؤولياتهم التربوية في مختلف ربوع هذا الوطن .

و إذ تحتفي اليوم بالأستاذ الباحث الدكتور مصطفى القباج تسعى إلى أن تواصل رسالتها التاريخية النبيلة، وفي الآن نفسه تنفتح على فكر تنويري  لا يرى الأصالة في فكر محافظ تقليدي يجتر الماضي ويعيد إنتاجه، كما لا يرى الحداثة في فكر يعلن القطائع تلو القطائع مع الماضي و الواقع ويرتمي في أحضان فكر مستلب ، وإنما يسعى إلى بناء فكر حداثي منبثق من داخل المجتمع الذي نعيش فيه بهويته الثقافية الكونية  المتنوعة،  وفكره الإسلامي المتنور بمدارسه المختلفة وأنساقه الفلسفية المتنوعة ، ويؤمن بثورة تربوية تجعل من أهداف المدرسة المغربية بكل أسلاكها تكوين عقل الإنسان ليصير في مستقبله صاحب القرار في اختياراته متشبعا بالحوار في علاقاته، و تصبح الديموقراطية جزءا من سلوكه اليومي في البيت والشارع والعمل قبل أن تكون في السياسة.
   إن ما يؤمن به الأستاذ الباحث الدكتور مصطفى القباج هو ما نؤمن به جميعا، وشغلنا الشاغل هو البحث عن السبل والطرق التي توصلنا إليه في عصر تقاطعت فيه كل الطرق وتشابهت، وتعددت القبلات التي نصلي عليها أفرادا وجماعات و تنوعت، ولم يعد للمثقف ولا للجامعة ذلك الهم الذي أرقهما خلال عقود سابقة من القرن الماضي، فانطوى  المثقف  و انعزل في أبراجه واشتغل بهمومه الحياتية الروتينية بعيدا عن هموم هذا الوطن الثقافية  و أسئلته المستقبلية .
     إننا إذ نحتفي اليوم بالسي مصطفى نسعى إلى نعرف طلبتنا بنموذج الأستاذ والباحث والمثقف الذي تتلمذنا على يديه، ونريد استنبات نموذج فكره في عقولهم حتى يسيروا غدا على فكره ونهجه في الانشغال بأسئلة المجتمع الفكرية الحارقة في مختلف الحقول المعرفية  الفلسفية والإبداعية و النقدية و الفنية.
   وفي الختام لا يسعنا في كلية اللغة العربية إلا أن نشكر الفرع الجهوي لاتحاد كتاب المغرب الذي اقترح علينا الاحتفاء بمجموعة من المفكرين والمثقفين الذين أسهموا في بناء الجامعة المغربية، وما زالوا يسهمون في بناء ثقافة هذا البلد. وستظل كلية اللغة العربية دائما وأبدا إن شاء الله منبرا مفتوحا على كل الطاقات الثقافية الخيرة في هذا الوطن،  ويكفينا فخرا أن يكون حاضرا عندنا اليوم هذا الحضور النوعي المتميز الذي مازال ممسكا بحبل الثقافة الحارق.

نتمنى لأستاذنا السي مصطفى الصحة والعافية وطول العمر حتى يرى أفكاره وآراءه تتحقق على أرض الواقع ويطمئن على مستقبل هذا البلد الأمين و على مستقبل مواطنيه .

الجمعة، 3 يونيو 2016

شعرية التجربة في "سراج الأرق" لاسماعيل زويريق



        الشعر في بدايته ومنتهاه تجربة فردانية خاصة يعيشها الشاعر ويرتقى بها بواسطة الكتابة إلى مستوى التجربة الإنسانية، ويصوغها صياغة فنية تشد إليها أذنَ القارئ وقلبه قبل عقله، وتجعله يعيش التجربة التي عاشها الشاعر بطريقته الخاصة.
     وديوان سراج الأرق من الدواوين التي اكتسبت شعريتها من تجربتها الخاصة جدا. تجربة عاشها الشاعر لحظة لحظة. تجربة فقدان ابنه الشاب عدنان زويرق .

الأربعاء، 2 مارس 2016

المرجعية المغربية في رحلة الحيوني[1] إلى بيت الله الحرام


   
      تتميز الرحلات الحجية عن غيرها بالتمثل القبلي للرحلة قبل تحققها على أرض الواقع. يبنى هذا التمثل عبر تلقي النصوص الدينية (القرآن و السنة و مأثورات السلف الصالح ) التي تنظم كيفية أداء مناسك الحج، و ما يجب أن يقوم به الحاج حتى يعود إلى أهله كيوم ولدته أمه.  كما يبنى أيضا عبر تلقي تجارب الآخرين الذين عادوا من هذه الرحلة، و لا يملون من حكي تجاربهم وما سمعوا وشاهدوا من غرائب و عجائب و كرامات، و ما رأوا من رؤى صادقة ما لبثوا أن عاشوا أحداثها مرة ثانية في حياتهم بعد ذلك. ويعد هذا التمثل " بمثابة الكفاءة اللازمة للاستعداد النفسي و التأهيل الذاتي لأداء مناسك الحج المرتقب و إنجاز الفريضة الخامسة  في الفضاء الحجازي الشريف "[2]

الجمعة، 29 مايو 2015

قراءة في قصيدة : ثمّة متسع للحلم للشاعرة توليب محمد



       الشاعر كالنبي والفيلسوف والعراف يتنبأ ويقرأ الغد، ويتطلع إلى أفق أرحب. هذا ما يرشح به عنوان هذا النص" ثمة متسع للحلم". فعندما يعجز الواقع عن استيعاب طموح الذات الشاعرة، تلجأ إلى الحلم الذي لا تحده حدود لتعيش حريتها، فتتحرر من قيود  الزمان والمكان والحدث لتحلق في اتجاه آخر السماء .

الجمعة، 8 مايو 2015

كلمة احتفاء بمحمد زوهير

                                          كلمة احتفاء
                                                          

        السيدات الفضليات، السادة الأفاضل، يسعد كليةَ اللغة العربية و المركزَ الجهوي  لمهن التربية و التكوين أن يحتفيا معكم،  في هذا المكان الثقافي الجميل  بأخينا و زميلنا وأستاذنا  محمد زوهير. نحتفي به احتفاء خاصا يختلف عن طبيعة الاحتفاءات التي ألفناها في الكثير من المناسبات، نحتفي بمحمد زوهير الإنسان أولا ،الإنسان المتلبس بإنسانيته في حلمه ويقظته، نحتفي بالأستاذ الذي كان وما يزال منذ ما يزيد عن أربعة عقود يتعهد بالرعاية أجيالا من أبناء هذا الوطن الأمين في رحلتهم الطويلة  من العتمة إلى الضوء، نحتفي بالمبدع الذي أبى إلا أن يسترجع الأصوات التي افتقدها طفلا فشابا و هو يلهث وراء أضواء صناعية استهوته أنوارها، و أغراه لمعانها، ولمّا تبين حقيقتها، واكتشف زيفها، ترددت الأصوات الطبيعية بين جوانحه تبث نداء الحياة، فأحس بدفء حنانها، فكان الحنين إليها، حيث نبع الماء الصافي، و الأشجار الوارفة الظلال. وكان النداء الذي تردد صداه في دواخلنا، يحثنا على كتابة قصيدة مائية الحلم، مائية الخيال. يحثنا على أن نترك أثرا على الأرض حتى لا تكون حياتنا غثيانا في غثيان، يحثنا على أن نصغي لصوت الحياة الذي يرحل بنا بعيدا عن عالم اليأس و الموت و الخراب، وأن نصغي لأصواتنا الداخلية التي تؤمن وما زالت أن الإنسان هو الحياة. و ما أجمل وما أروع أن يكون نداء الحياة صوتَ امرأة. فالمرأة كما الأرض حاضنة الحياة.